أحمد بن سهل البلخي

432

مصالح الأبدان والأنفس

الشرب ، ويصل موادّه بالشيء بعد الشيء ؛ لئلّا تنقطع عنه اللذّة التي أثّرتها فيه الشربات الوافرة ، ويدوم له بالموادّ / التي تتصل له بالشربات الخفيفة ، فلا يسرع إليه السكر ، فتنقطع عنه لذّة المحادثة / والمؤانسة . فإنّ الذي يشرب الشراب لطلب اللذّة ، إنّما غرضه منه أن ينال به حال الأريحيّة والسرور التي يفضي إليها آخذ الشراب في وسط أمره ، وقبل الاندفاع إلى السكر ؛ فإذا سكر بطلت تلك اللذّة ، وسقط لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل ، فهو حريّ بأن يستبقي على نفسه هذه الحال التي هي غرضه ، ولنيلها شربه ، ولا يقدر على استدامتها زمانا يكون له الامتداد ، إلّا بأن يكون تدبيره في الشرب هذا التدبير . ويكون ممّا يجتمع له إلى هذا المعنى تهيّؤه لما يشرب ، فإنّ الذي يشرب الشراب بالتؤدة يقدر على الاستكثار منه ، وإذا تابع الشربات وداركها أسرع إليه الامتلاء ، وعجز عن الشرب . ثمّ ممّا يقترن بهذين المعنيين معنى ثالث هو أردى الأمور عليه في مصالح دينه ودنياه ، وهو أنّه لا يوجد عند انقضاء مجلس الشرب مغلوبا على عقله ، فإن كان في مجلس نفسه نهض عنه غير سكران ، / وعقل أمره ، واتّسع لما يحتاج إلى ملاحظته من مصالح أمر نفسه وحاشيته ، وإن كان في مجلس غيره ، واحتاج إلى الانصراف عنه إلى وطنه عقل من أمر حركته ونهضته ما يبلّغه ، ويعود بسلامته من الغوائل التي كثيرا ما يجنيها الشارب على نفسه بإسرافه في الشرب ، ونهوضه عن المجلس مغلوبا على عقله . وما جرى التدبير في كيفيّة الشراب على خلاف هذا المعنى - وهو ما هو عليه أكثر متعاطي الشرب من العامّة - وهو أن يبتدئ الشرب بمقدار أقلّ ، ثمّ يزيدون فيه شيئا بعد شيء إلى أن يجعلوا أوفر شرباتهم في آخر مجالسهم ، وعند انقضائها . فإنّ هذه المعاني التي قدّمنا ذكرها ووصفنا مبلغ عائدتها تنقلب إلى أضدادها ، فهذه جملة كافية لما يحتاج إلى تدبيره المعنيّ بمصالح بدنه في أمر الشراب وتناوله على وجهه .